صراع على السلطة بين القذافي ونجله
أ
كدت مصادر غربية في طرابلس، أن صراعاً شديداً على السلطة يدور حالياً في ليبيا بين ما يسمى "الحرس القديم والحرس الجديد"، قطباه الزعيم الليبي العقيد معمر القذافي من جهة، ونجله سيف الإسلام من جهة أخرى.
وكشفت المصادر أن رئيس الوزراء المحمودي البغدادي يقف إلى جانب سيف الإسلام ضمن هذا التقسيم، وأن الجناح الأول يريد المحافظة على استمرار الوضع الراهن الذي حمى النظام طوال السنوات الماضية، والثاني يرغب في فتح أبواب ليبيا على العالم الواسع بعد رفع العقوبات الدولية التي كانت مفروضة عليها.
وجاء ذلك في تحقيق صحافي فريد من نوعه داخل ليبيا نشر أمس في صحيفة "الإندبندنت" التي أوفدت مراسلا خاصا إلى طرابلس بمناسبة الاحتفال بمرور 30 عاما على صدور "الكتاب الأخضر" للقذافي، التي صادفت الجمعة.
واعتبرت الصحيفة أن مجرد منح تأشيرات الدخول لممثلي وسائل الإعلام العديدين الذين حضروا لتغطية الاحتفال لمناسبة صدور "الكتاب الأخضر"، هو دليل واضح على أن الصراع بين القطبين الليبيين يسير لصالح الجناح الانفتاحي بقيادة سيف الإسلام، إذ أن جناح القذافي المحافظ عمد طوال سنين طويلة إلى إغلاق ليبيا في وجه وسائل الإعلام الغربية وامتنع عن منح التأشيرات للصحافيين الذين كانوا يلحون في زيارتها.
ولاحظ المراسل أن رئيس الوزراء سارع إلى عقد مؤتمر صحافي بعد دقائق من إلقاء القذافي كلمته الرئيسية في الاحتفال لينفي ما ورد على لسان الزعيم الليبي من أن بلاده سائرة في اتجاه بناء الوحدة الإفريقية وتحسين المواصلات بين الدول الإفريقية وتحذيره من خطر إغراق الأسواق الإفريقية بالبضائع الغربية. وقال للصحافيين "لا توجد هنا رؤية واسعة لوحدة إفريقية، ولا يوجد هنا من ينظر إلى مستقبل ليبيا بعد نضوب النفط فيها" وأضاف "إننا نرغب في دعوة الشركات الغربية لأن تأتي إلينا وتستثمر في ليبيا. فلدى ليبيا باب مفتوح على الاستثمارات الأجنبية. فليبيا تتمتع بالسلام والاستقرار ونحن ندعو جميع دول العالم للاستثمار في بلدنا... إننا منفتحون على بناء الفنادق والخدمات أيضا. وأي استثمار في السياحة مرحب به".
وتابعت الصحيفة أن الخبير الاقتصادي العالمي مايكل بورتر، أستاذ الاقتصاد وإدارة الأعمال في جامعة هارفرد، ساعد سيف الإسلام والمحمودي في مطلع العام على تشكيل مجلس التنمية الاقتصادية بهدف تشجيع الليبيين للمبادرة بإنشاء مصالح تجارية، فيما تقوم مؤسسات بحث غربية أخرى بتقديم الاستشارات للرجلين في شأن إشاعة الحريات الديموقراطية.
ونقلت الصحيفة عن مصدر ديبلوماسي غربي أن هناك أسباباً وجيهة من أجل إحداث التغيير "فهم (الليبيون) يريدون معرفة أنه لدى ذهابهم إلى النوم سيجدون في الصباح أن النظام ما زال قائماً. فالهدف الأول للنظام المحافظة على وجوده. فالأمور تبدو أنها مستقرة، لكن رجال الحكم ربما لا يعتقدون ذلك".
وأشارت إلى أن ارتفاع نسبة البطالة بين الشباب يدق ناقوس الخطر من احتمال تحول أعداد كبيرة من الشباب إلى التطرف الديني والسير وراء التنظيمات الأصولية، ما يسبب قلقاً شديداً لدى الجناحين المتصارعين.
وأشارت "الإندبندنت" إلى أن ليبيا تواجه نتيجة انفتاح القذافي على الدول الأفريقية موجة هجرة من الدول المجاورة لدرجة أن ثلث السكان حالياً في ليبيا (ما مجموعه نحو 6 ملايين نسمة) هم من المهاجرين حسب التقديرات الغربية. وأضافت أن هذه المشكلة تخلق مشاكل داخلية علاوة على أن ليبيا أصبحت منطلقاً للهجرة السرية من القارة الأفريقية نحو أوروبا وبالذات إلى إيطاليا، حيث يقدر عدد المهاجرين السريين الذين يصلون إيطاليا من ليبيا بنحو 20 ألفا سنوياً، الأمر الذي دفع الاتحاد الأوروبي إلى توجيه الاحتجاجات المتوالية إلى الحكومة الليبية وتحميلها المسؤولية عن هذه الظاهرة.
واستشهدت الصحيفة بكلمة للرئيس الأوغندي يويري موسيفيني، الضيف الأجنبي رفيع المستوى الوحيد، الذي حضر الاحتفال، والذي قال في كلمته: "لدينا في أوغندا مثل يقول، عندما يكف كلب عن الشم، معنى ذلك أنه ميت، لأنه لا يستطيع أن يشم الخطر المحدق، كذلك فهو لا يستطيع أن يشم الطعام... إحدى مشاكل أفريقيا أن الناس فقدت حاسة الشم، فهم غير قادرين على اشتمام أين يكمن الخطر، أو أين تكمن الفائدة. وهذا هو سبب المعاناة في كل هذه الدول".
وأنهت الصحيفة تحقيقها بالقول إن "القذافي وابنه على ما يبدو يتمتعان بحاسة الشم، لكن المشكلة أن كل منهما يشم الخطر والمنفعة باتجاه معاكس للآخر".







